المنفى
(السرير 59 منفى الامل)
" هكذا أنت يا صديقي مُذ عرفتك لم تتغير ولم يغير الناس فكرتهم عنك، فما أن تُذكر أمام أحد منهم ويقال "مرض السرطان" حتى تبدأ عبارات استنكارك والاستعاذة منك بالانطلاق .
أنا وأنت يا صديقي سيان فأنت يستنكرك الناس وأنا ينفوني من بينهم لمرضي، نذكر يا صديقي كيف كنتُ مثلهم، فقد حاولت التخلص منك و نفيك بعملية جراحية، وبعدها حين حاول الأطباء قتلك داخلي ، فشوه جسدي وفقدت شعري من أثر العلاج.
لكني منذ عرفت حقيقتك ونحن صديقان كما اتفقنا، فأنا كما تعلم لم أشأ فقدان نفسي حين حللت في جسدي وآثرتُ مصادقتك على ذلك ، فمع أنك تؤلمني كلما انتشرت أكثر إلا أنني أتعايش معك و أطلعك على >اتي ، حتى لا يأتي اليوم الذي تكون فيه مالكا كل جسدي أو أغلبه إلا ونحن واحد، ربما سيتغير شكلي قليلاً لكنني لن أكون أنسانا مختلفا، أنا يا صديقي رأيت نزلاء هذا المنفى رأيت كيف فقدوا أنفسهم قبل حياتهم، منهم من قتله خوفه، ومنهم من قتله يأسه ، ومنهم من قتله طول الأمل ، لكني لن أكون مثلهم معك، وسنحقق معا آخر أمنياتي بأن نترك وراءنا ما يميزنا عن من سبقونا ورقدوا على هذا السرير...".
دخل عليه الطبيب وأيقظه من شروده :
في كل يوم منذ رفضك استكمال العلاج تفاجئني بشيء جديد، فهل صحيح أنك تريد مغادرة المشفى كما سمعت ؟
نعم صحيح ،وما الغريب في >لك، فهل تتوقع مني المكوث هنا مدة أطول؟ غير أنك لم تبدي كل هذا الجزع حين أوقفت العلاج فلماذا الآن؟
كنت آمل تغير رأيك واستكمال جرعات العلاج ، فهل أنت متأكد من أن هذا قرارك الأخير؟ أنت تعلم معنى خروجك ونهايته المحتومة، فأرجو منك التريث و التفكير أكثر .
أعرف كل ما يمكن أن تحاول إقناعي به لكن هذا قراري الأخير، فأرجو منك إتمام الإجراءات اللازمة لخروجي من هذا المنفى .
ولكن أين عزمك أليس هذا استسلاما ؟
أرجو منك إتمام الإجراءات فأنت تعرف أنك لن تستفزني بكلامك .
سأدعك حتى الغد فربما تغير رأيك، تصبح على خير .
" رأيت يا صديقي؟! حتى الطبيب الذي رآك بعينيه لم يستطع معرفة ماهيتك وما يزال يحاول إقناعي بقتلك _ وأنت تعلم بأنه لن يستطيع _ فأنا منذ أعتبرتك صديقا، أرفض تعاطي السموم لقتلك ، ولكن لا يهمك من حديثه شيء، سنعود إلى البيت القديم ونعيش معا ونتحد معا،عندها سنقوم بإتمام كتابة قصتنا لعل الناس يرأفوا بحال من هم مثلي ،ويتركونهم ليعيشوا بسلام " .
استيقظ من نومه في اليوم التالي على صوت الطبيب ، فقد تم إتمام إجراءات خروجه من المشفى أو من المنفى حسب تسميته ، ولم يتبقَ سوى توقيعه على أوراق مسئوليته عن الخروج ، كان الطبيب يعلم أنه من الصعب إقناعه بالتراجع عن قراراته ولكنه كان يأمل تَغَيُرَ رأيه عند رؤية الأوراق ، مع ذلك خاب أمل الطبيب فقد وقع الأوراق كمن يجرب قلمه على صفحة بيضاء ، ثم بدأت البشرى تحاول الشرق من وراء سحب الشحوب في وجهه .
اجتمع الكثيرين من أعضاء الكادر الطبي ليراقبوا خروجه، مستغربين تهلل وجهه، فكلهم يعلم انه لن يستطيع الصمود في وجه مرضه اكثر من شهر واحد .
توجه بصحبة صديق طفولته إلى منزله القديم ، كان هذا الصديق آخر ما تبقى له من ذكريات طفولة مفقودة ومن بقايا زمانه المفقود، تأمل المدينة عبر زجاج النافذة ، إنه جوه المفضل الجو الماطر.
كانت القطرات تتجمع على الزجاج وتسيل، وهو يراقبها، ويراقب ما ورائها من خفايا المدينة .
أحس بغضب صديقه وتوتره من طريقة قيادته للسيارة ،فبادره السؤال عن ذلك :
_ ما بك ؟
_ وتسأل ..؟
_ لا تفكر بالموضوع كثيرا .
_ لا أفكر وأنا أعرفك لن تتراجع عن قرارك في قتـ.. أنا أسف لم أقصد ذلك .
_ لا يا صديقي فأنا أتفهم ما تقصد ولكني كما تعلم لا أستسلم ، و..
_ إذن ماذا تسمي قرارك هذا ؟
_ إن قراري ليس استسلاما أو انهزاما كما تسموه، إنما هو استثمار ما تبقى لي من الوقت لتحقيق ما أظنه سيرجع لي حياتي ، فنحن على قناعه بأن الأطباء لن يستطيعوا شفائي بعد انتشار المرض بهذه النسبة العالية في جسدي .
_ ولكن الأطباء يساعدونك في التخفيف من ألمك بالمسكنات على الأقل.
_ ألمي ..!! ألمي لن يطول وسترى كيف أن الوقت القليل المتبقي لي سيكون بهذه الطريقة أفضل من البقاء في محاولات فاشلة داخل المنفى لقتل المرض، كما أني لا أستطيع إتمام ما بدأت به إلا في منزلي القديم، وأنت تعلم أنه كان مصدر إلهامي في أغلب ما كتبت .
_ لقد أخذنا الحديث ها قد وصلنا ، سنكمل حديثنا في الداخل.
أنزله من السيارة وأدخله إلى المنزل ثم أجلسه على السرير الذي وضعه في مكان جلوسه المفضل عند النافذة، ثم أدخل الحقائب وعاد ليتحدث معه :
_ لقد أعددت لك كل ما طلبته ، وكل ما يمكن أن تحتاجه ، ولكني مع هذا سأبقى معك هنا .
_ لا، يجب أن أبقى لوحدي ، عُد أنت إلى عائلتك .
_ ولكن ..
_ هل عدنا إلى الجدال .
_ حسنا، ولكن لا تردد بالاتصال في أي وقت ، سأتركك وحدك الآن ، وداعا .
" ها نحن يا صديقي وحدنا من جديد .. أعرف أنك لن تمهلني كثيراَ ولكني بما تبقى لي من حصة في هذا الجسد أستطيع إتمام ما بدأناه وإنهاء القصة التي نكتبها .. أتذكر بدايتها يوم أخبرنا الطبيب بوجودك داخلي؟ كنت أريد التخلص منك بأي طريقه غير أني بدلت رأيي بعد أن عرفتك على حقيقتك، فأنت لست إلا وسيله لاختبار رباني .. نحن لم نخلط يوما بين من جزعوا وحزنوا عليّ وبين من فرحوا فرحا خبيثا أخفوه وراء أقنعة لا تخدعني .. يومها بدأت أرى في بعض الأعين شفقة لم أعتدها ولم أتقبلها يوما.. ولكن لما الشفقة؟ لألمي أم لظنهم أني أفقد حياتي؟ .. إن حياتي هي فكري وليس بمأكل وملبس كما يتوهمون .
أتذكر أيضا كيف كانوا يهنئوني بتأمين ثمن الجرعات الأولى لما يسمونه علاجاَ، أي ما أدفعه ثمناَ لسموم يضعونها في جسدي .. أتعلم لو أنهم تركوني بحياتي التي كنت أعيش، مع الألم الذي تسببه لي، لم أكن سأشعر بالغربة والألم كماشعرت بألم الغربة في منفاهم .. صحيح أن بيتي هذا في نظرهم منفى لبعده عن وسط المدينة إلا أنه في نظري وطن، كيف لا وقد احتفظت فيه بأعز ذكرياتي وأغلاها، فكيف أستطيع تسميته منفى كما يدعون .. إن النفي الحقيقي هو عيشي في مجتمعهم الذي لم يعد يتعامل معي كما كان منذ عرف بمرضي ونفاني منه ليراني ميتا يمشي نحو قبره وحده، ينتظرون وصوله ليهيلوا عليه التراب ..
لا تكترث كثيراً بهذا ولنعد إلى موضوعنا وكيف عشنا معا بصراع، كل منا يحاول التخلص من الآخر والاستحواذ على هذا الجسد الضعيف، ربما لو تٌركنا نتواجه وحدنا كنت غلبتك بالإيمان ولكنهم أضعفوني بالجراحة أولاً وبالسموم ثانياً، أنا لا أُنكر جهود الأطباء والممرضين و طيبتهم ، و لكن حياتي كانت في ذلك المنفى مستحيلة، حين يحرموني من حياتي ويحبسوني على سرير لا يقوى جسدي على مغادرته دون مساعدة بعد أخذ الجرعات، وأكون رقما يطوى في أحد السجلات وينسى حين أغادر..
ولكن يا صديقي أرجو منك إمهالي بأن لا تقسو عليّ كثيراً بدفعات الألم التي تبثها في جسدي .. "
وغاب عن الوعي إلى أن تلونت السماء بحمرة الغروب .. أيقظه رنين الهاتف، نظر إليه وعاد لينهي قصته مع مرضه :
" أظنك يا صديقي لن تمهلني كما كانوا يتوقعون .. أو لم تمهلني أكثر مما كنت أطمح ... "
نظر من النافذة ليودع أضواء المدينة التي سكنته قبل أن يسكنها، ثم أغمض عينيه ليتوحد مع مرضه .. خيم على البيت سكون لم يَشُبهُ سوى رنات متفرقة انطلقت من جرس الهاتف الذي لم يجد من يجيبه .