"ما علينا"
كنا صغارا جدا في المدرسة ولم نكن نعرف كتمان السر بعبارة أخرى كنا فسادين وبما أن الفساد كان مغروسا فينا فقد كان بالنسبة لنا فعل جماعي ولم يكن أحد منا يتوقع فعل شيء دون أن تعلم عنه المعلمة . حادث كان يتكرر كثيرا لكنا لم نكن نتعلم منه وهو كسر زجاج نوافذ الصف وخصوصا في الشتاء على اعتبار أن المدارس في وقتنا لم تكن مدفئة والحادث باختصار يتلخص بان يقوم طالب بكسر زجاج احد نوافذ الصف وذلك حدث غير عادي بالنسبة للطلاب و المعلمات على حد سواء رغم تكراره ومعرفة الفاعل ليست صعبة وليست بحاجة إلى تحقيق فبمجرد كسر الزجاج يحيط الطلاب بالفاعل ويبدأون بالصراخ كجرس الإنذار للمعلمات " ما علينا كسر القزاااااااااز .. ما علينا كسر القزاااااااااااز"(أي ليس لنا دخل فيما جرى ) يطلقونها ممطوطة وبصوت يتعالى شيئا فشيئا إلى أن تأتي المعلمة ليسود صمت رهيب والطالب الذي فعلها يكون محصور في إحدى زوايا الصف ودموعه في عينيه فعقاب المعلمة ليس وحده هو السبب لكن عقاب الأب الذي لن يستطيع دفع ثمن ذلك الزجاج ، في الغالب كانت المعلمة تعرف ان الحادث كان نتيجة فعل جماعي وهي اللعب برمي مساحة اللوح (السبورة ) ذات المقبض الخشبي بين الطلاب وقد صدف أن كان الطالب الذي كسر الزجاج أفكح و أن أي منا ليس ذو قدرة مادية لدفع ثمن الزجاج وفي النهاية سيدفع الثمن منا جميعا على عدة أسابيع فكل يوم يظهر طالب نسي إحضار النقود و أخر اشترى بالنقود ويتحجج بأن والده لم يعد للبيت وأخر يتحجج بأن والده لم يستلم راتبه بعد وغيرها من الأعذار الكاذبة رغم أن المبلغ المطلوب ممن كل طالب لا يتجاوز قروش قليلة.
بعد هذه الرحلة الطويلة يأتي دور الرجل الذي سيقوم بتركيب الزجاج الجديد والذي كانوا يسمونه في الصف " القزيز " حيث يأتي ومعه لوح زجاجي بعد أن متنا من البرد خلال الفترة الماضية .
مسألة التركيب قصة أخرى فالصف كله يراقب مراحل التركيب من نزع حواف الزجاج القديم وتنظيف الملتينة القديمة(معجونة كانت تستخدم لتثبيت الزجاج )وقص الزجاج الجديد على المقاس المناسب وتثبيته بالملتينه وهي الجزء الأهم من العملية فالكل يراقب القزيز وهو يعجنها بيديه والكل يعرف أنها لن تجف قبل أيام أي أنه من الممكن استخدامها بدلا من المعجون الذي لم نكن نستطيع شراءه دائما .
بعد ذهاب القزيز و انتهاء الحصة يهرع كل منا لسرقة القليل من الملتينه المثبتة للزجاج حتى لا يتبقى منها سوى طبقة رقيقة جدا وبهذا يسقط الزجاج الجديد وحده بعد أيام نتيجة الرياح وليس بفعل فاعل ليدفع الثمن و هكذا نبقى بقية الشتاء في غرفه صفيه تزمر فيها الرياح وأيدي لا تقوى على مسك الأقلام للكتابة فتركيب زجاج جديد سيكون عند صيانة المدرسة بعد انتهاء العام الدراسي .
قبل سقوط بغداد صرخ الكثيرين ما علينا وبعد سقوطها دفعوا ثمن الزجاج الجديد لكنهم سرقوا الملتينه ولست أعلم كم سيدوم الزجاج الجديد وبأي هبة ريح سيسقط وكم زجاج سيركب بعده ولكن البرد الذي سنعانيه لسنا نعلم إلى متى سيستمر .
12/2004