اغتراب واحتراق

 أيقظه بصيص من نور أطل من داخل تلك الكوة المسماة نافذة ، حين لامست وجهه لم يقوى على فتح عينية لكنه فغر فاه مطلقا رائحة منتنة ومعلنا لأسنان لم يظهر منها سوى الاسوداد والاصفرار بدء يوم جديد. نظر إلى جانبه باحثا عن علبة التبغ فتذكر إجهازه عليها حين رأى المنفضة المتخمة بالأعقاب والرماد

نظر إلى وجهه في بقايا مرآته المشققة ثم أدخل أصابعه في شعرة القصير وبدأ بحكه بتثاقل موزعا رائحة تثاؤبه المنتنة في  الأرجاء.

فتح الصنبور فتراءى له خيط رفيع من المياه فانقطاعه مسألة حتمية دون دفع الفواتير ، وضع كفيه تحت الصنبور حتى تجمع فيهما القليل من الماء ثم مسح وجهه و رأسه . لم تكن مسألة اختيار الملابس صعبة فالقميص الأزرق و البنطال الرمادي لم يجفا منذ يومين في الجو الماطر و ارتداء البنطال الأسود والقميص البني أصبح  أمر مفروغ منه ، انتعل حذائه و ارتدى الفلدة العسكرية وخرج .

     أشار للبقال عوضا عن التحية أعطاه الأخير علبة تبغ أخذها  وأشار بترصيد ثمنها على الحساب ثم انطلق . ضرب علبة التبغ على دفتره ثم فتحها وتناول اللفافة الأولى ، أشعل عود ثقاب 0ونظر إليه متأملا من وراء اللفافة في فمه ، قرب عود الثقاب منها وبدأ بشهق الدخان بنفس عميق حتى الاختناق ثم نفث الدخان باتجاه السماء .. وابتسم  .

إن لحظة وصوله إلى تلك التجمعات غالبا ما كانت تثير حنقه فهو يكره حتى نفسه فيها .طال انتظاره لمدرس المادة فأشعل لفافة يقتل بها الوقت وبدأ بتوزيع حلقات الدخان في المكان  نظرت إليه إحدى الطالبات القريبات وقالت بحدة أقرب إلى الصراخ :"أطفئ لفافتك أيها الأخرق"

ساد صمت  يحمل ترقب لما يمكن أن يقع من أحداث .

نظر هو إليها بدورة بعصبية فظيعة لم تمكن أحد من التنبؤ بشي ثم انفجر ضاحكا بصورة جنونية دعت الجميع للاستغراب ثم قال :

"إنها لنشوة جميلة .. تنتابني عند الشعور بالأنانية ... .

في لحظات الحقد والأنانية أحس بأني إنسان غير عادي إنسان قادر على الكره فقد مللت الأدوار الكلاسيكية التي  تؤدونها ...

مع احتضار كل لفافة بين أصابعي .. وأنا احرقها في صدري أعلم أني اقتل نفسي ولكني احرقها وفي نفس الوقت ألوث الجو من حولي .. فمن أعطاني الحق بحرمانكم من الهواء ... حين أفكر بالأمر بهذه الطريقة يمتلئ صدري بنشوة غريبة أحس فيها بقوة  تكمن في هذا الصدر تجعله قادرا على تحمل الاحتراق في سبيل تلويث الهواء وحرمانكم من تنفس طبيعي ..

(ثم تغيرت نبرته المتعالية إلى ما يشابه النشيج )وقال:

مع كل هذه النشوة هل تظنون أنه من السهل هجر هذه اللفافة فهي الوحيدة التي برهنت على استعدادها للاحتراق من أجلي في لحظات الوحدة والاغتراب التي اشعر بها حتى بينكم حين نظرت فلم أجد بين أصابعي سوى الرماد .

إن حالة التماهي التي وصلت لها مع لفافتي تجعلني أرى نفسي في احتراقها فمن يدعي منكم أنه يستطيع التمييز في الدخان الذي انفثه بين دخانها ودخان احتراقي الداخلي.