أسراب مبتعدة

 

    بجانب الصخرة تحت شجرة اللوز الكبيرة في مزرعة البيت القديم .. كان يجلس مع حفيدته – العشرينية – بلباسه العربي ونظارته السميكة جلسته المعتادة  بعد صلاة العصر .. صبت له كوبا من الشاي المغلي على الحطب و أضافت إليه القليل من النعناع  و قدمته له .. زكمت رائحة الشاي أنفه فأخذ نفسا عميقا وأرخى جسمه على المقعد .

  تبادلا بعض الأحاديث ثم أطرق كالمعتاد وساد الجلسة شيء من الصمت الذي طال إلى أن تناهى إلى سمعه صوت سرب من الحمام مر من فوقهما نظر إليه من وراء زجاج النظارة السميك، تابعه وهو يبتعد أزاح رأسه عن السرب بعد أن أثقل بدمعة ذرفت من عينيه الغائرتين ..

  نظرت حفيدته إليه راقبت دمعته وهي تختفي في لحيته الكثة  البيضاء .. نظر إليها وأبتسم .. عاجلته بالسؤال عن سبب بكائه وابتسامه .. نظر إليها بعطف متنهدا فقطعت عليه تنهيدته نوبة السعال المعتادة ، ارتاح قليلا .. عدّل جلسته ثم قال :

 " كنت في مثل عمرك حين قابلتها كانت تصغرني بعام واحد .. وكانت أشبه ما تكون بسمت فاطمة، كنت دائما أنظر إلى وجهها باحثا عن عيني فاطمة فيه غالبا ما كانت تنظر إليّ مستغربة، كنت أكنّ لها احتراما أكثر من غيرها من زميلاتي لأجل فاطمة .. لم أفكر في الأمر يوما أبعد من ذلك .

  وفي يوم قررت  إخبارها عن سبب اهتمامي الزائد بها .. ذهبت إليها كالمعتاد، بدأت الحديث بموضوع دراسي، كانت أذكى من أن ينطلي عليها ذلك .. قرأت كلاما آخر في عيني .. شكرتني على اهتمامي بإخبارها بالموضوع الدراسي .. و ابتعدت دون أن تعلم شيئاً مما أردت إخبارها به لم أحاول بعدها شرح شيئاً مما قد يكشف لها موقفي، فقط اكتفيت بما رأيت من كتاباتي القديمة  ... " .

 نظرت إليه بحزن وقالت :

  " وحيد أنت وغريب .. تجلس في صقيع انفرادك لتعاني وحدك .. ولكن كم سيدفئك احتطابك لبقايا ذكريات  ... " .