رجل له عيون كثيرة

     لم تكن تلك العين التي ترقبني لتغير طريقتها في النظر إلي، ففي كل مرة ينزل فيها ذلك الرجل المسن ذو العين الواحدة من سيارة الأجرة يرمقني بنظرة حادة فيها أشياء كثيرة، أسئلة ترهقني، وتحدي يثير حنقي، وحزن يثير شفقتي، وأمل كبير يحيرني، متناقضات كثيرة جمعها في عين واحدة يصعب علي جمعها بعينين اثنتين، كان يثير دهشتي بتحديه الحياة حين يأبى إلا النزول وحيدا متكأ على عكازيه الخشبيين، كان يثير إعجابي فيه حذائه الرياضي الأبيض، ولكن بنطاله المهتريء الذي قصرته الأيام كان يثير شفقتي مثلما كانت تثيرة كوفيته الحمراء البالية التي تلف وجهه مع لحيته البيضاء، كان ينزل يوميا من سيارة الأجرة ويتجه بخطوات بطيئة يجر قدميه الضعيفتين محاولا الوصول إلى بائع الخضر المقعد الذي لم  اشعر يوما  بإعاقته فهو دائما مفترش الأرض ينادي زبائنه المعتادين حين يمضون ولا يأتون للشراء من عنده، فما أن يصل صاحبنا  إليه حتى يقرؤه السلام ويبدأان  أحاديثهما المعتادة والتي لم أحاول يوما أن أنصت لها، ثم يبتاع منه قليل من الخضر أو لا يبتاع  ويمضي في طريق أجهله، لكني اعلم أنه سيعود في الغد ليطالعني بنظرته المتسائلة ليسألني فيها مرة أخرى :

" إلى ماذا تنظر ؟ أتظنني ضعيفا ؟ لم تنظر إلي ؟"

     وليخاطبني بنظرات أخرى ويقول: " لقد نهلت من الحياة ما استطعت وكنت يوما مثلك قويا ومعافى سابقت الريح تحديت الجبال صارعت الوحوش حاومت الطيور واليوم أجر قدمي فانظر ما أنا حامل معي من هذه الحياة وخذ منها مثلي وإن استطعت أكثر وعش يومك ليومك واعمل فيه لنفعك فلن تأخذ منه إلا ما عملت لأخرتك فأنا راحل في الغد وأنت من بعده راحل  " أشياء كثيرة كانت تخبرني بها عينه هو نفسه لا أظن أنه يدركها .

      ربما لا يحق لي أن أسرق من عينه كل هذه الفلسفة في الحياة، لكنها أشياء تخبرني بها عينه كلما رأيته لم أستطع لها كتمانا،فهل تخفي عيناي ما فضحت عينه .

         لم تكن بالنسبة لي صدمة كبيرة حين رأيت صديقنا بعدها يطالعني بنظرته التي تبين لي مغزاها الحقيقي فقد كانت كلها تكبر واستعلاء كنت في البداية أحاول أن أرسم ملامح أملها من شخصية أجهلها لكنها لم تكن مختلفة كثيرا عن مجتمعنا فقد كان صاحبنا أيضا مثل الجميع في تلك المنطقة لا يتورع في رفع صوته في الشتائم واستخدام الألفاظ السوقية التي إعتادتها المنطقة تخرج من الأفواه مثل أي شيء أخر ليظهر لي بثوبه الذي لا يحاول إخفاءه فصديقنا هذا لم يضف إلى مجتمعنا شيئا جديدا سوى بعض الأصوات التي تخرج منه والنظرات التي ينظر بها إلى الناس ليخبرهم بها أنه يرى نفسه رغم كل ما فيه أمام نفسه أفضل منهم جميعا وانه لو لم يكن موجودا لأختل هذا الوجود فجميع الأدوار التي يتقاسمها الناس في الحياة ليست مهمة بقدر أهمية نظرته المتكبرة التي يوزعها على الناس في الطرقات ليخبرهم بأنه قوي وهم ضعفاء وأنه غني وهم فقراء فهو يملك تلك العين الأسطورية التي تضاهي في أهميتها تلك العيون التي تتوزع في الوجوه فجميع تلك العيون في نظره عاجزة عن الاستكبار رغم كثرتها فعينه ولو كانت في وجهه وحيده إلا أنها تستطيع النظر إلى الناس والتعالي عليهم في كل مرة فمن منا يستطيع التعالي في كل أوقاته .